اّخر الأخبار
المجلس الوطني الكردي يدين القصف التركي على البيشمركة وYPGالقصف الجوي التركي يسفر عن انقطاع الاتصالات في الحسكةإسرائيل تقصف مستودعات لحزب الله قرب مطار دمشق الدوليخسائر لقوات النظام بحي جمعية الزهراء في حلب، وقصف مشافي إدلب يتواصلاشتباكات بين الجيش التركي وYPG في الدرباسية بريف الحسكةاشتباكات عنيفة في حي القابون بدمشق، والمعارضة تأسر عنصراً من النظام‹يونيسيف› تطلق دورة تدريبية لريادة الأعمال في الحسكةالجيش التركي يوسع قصفه لريف عفرين، وYPG تردانفجار أنبوب نفط في كركوك، والشرطة تعتقل 3 دواعشالاستخبارات الفرنسية: هجوم السارين في خان شيخون نفذ بأوامر الأسد أو دائرته المقربةمسرور بارزاني: القصف التركي لم يكن متوقعاًاشتباكات بين الجيش التركي ووحدات حماية الشعب بريف عفرينداعش ينشر مشاهد من أعماله ومعاركه بالموصل في ‹القابضون على الجمر›مقتل 5 جنود أتراك في 3 ولايات، والجيش التركي يعلن حصيلة هجمات شنكال وكراتشوكداعش يعلن أسر 3 عناصر من ميليشيات الحشد الشعبي غرب الرماديريدور خليل: 20 قتيل و18 جريح من YPG حصيلة القصف التركي على جبل كراتشوكوفيات نازحي الرقة ترتفع إلى 23 مدني، وأعدادهم تتجاوز 35 ألفاًإقليم كردستان يعتبر القصف التركي للبيشمركة ‹غير مقبول›، وصالح مسلم يطالب التحالف بإبداء رأيهالطائرات الروسية ترتكب ‹مجزرة› بريف إدلب وتدمر أكبر مشفى جراحيغارات تركية متزامنة تطال مواقع YPG في كراتشوك وPKK في شنكال

قراءة نقدية للنّضال الكردي المسلَّح والدّم المهدور (3)

981615.png

زاغروس آمدي

بقلم: زاغروس آمدي

الفكر الواقعي ودوره في إحداث تغيرات كبيرة في العالم:

إن الأشخاص الذين يحللون مختلف الظواهر ويضعون تصورات للحياة الإنسانية من مفكرين وفلاسفة صنفان على الأقل:

الصنف الأول:

هم أُناس يعبرون عن تصوراتهم وأفكارهم لتحسين الحياة الإنسانية وتطويرها، فيطرحون أفكارهم التنويرية في أوساط المجتمعات دون إلزام أو إكراه أحد من الناس بها. وينتمي إلى هذا الصنف الغالبية العظمى من الفلاسفة والمفكرين والكتاب. وعادة ما تنتشر هذه الأفكار ويتداولها الناس وتصبح جزءا من ذواتهم بمرور الزمن، أي أن قوتها في مدى تفاعلها مع الناس واستمراريتها أو صلاحيتها مع تغير الوقت. لأن الناس تبحث بالفطرة عن الأفكار المفيدة لهم، ويحاول هذا التيار تقريب الواقع العملي إلى النظرية المثالية والتماهي مع الطبيعة البشرية للناس، لأن الإنسان مطبوع على رفض التغيير الفوري والسريع، والأحب إليه وأجدى له أيضا أن يتشرب الأفكار على دفعات كما يشرب الماء.

ويأتي أفلاطون في مقدمة هذا التيار رغم تفرعاته، والذي يعتقد أن عالم المثل العليا في مكان ما في السماء وأن معارفنا ما هي إلا صور مشوه عن الصور المثالية العليا، لكنه يبعد اليأس عن نفوسنا في عدم امكانيتنا الإرتقاء إلى هذه المثل وجني ثمارها بقوله أنه بإمكاننا أن نحظى بهذه المثل عن طريق “التذكر” الذي يعتمد على عمل العقل من خلال الإستدلال العقلي والمعرفة الحدسية والخبرة الحسية.  أما هيغل الذي يمثل تيار المثالية المطلقة فقد أوجز هذا التيار بقوله الإشكالي: “كل ما هو عقلي هو واقعي، وكل ما هو واقعي هو عقلي” أي أن الأساس والمنطلق لأية حقيقة تصورية أو واقعية هو العقل دائما، والواقعي الذي عناه هيغل هو Wirklichkeit بالألمانية هنا هو المحقق بالفعل، وليس  Realismus  أو Realism أي الواقعية. فالفلسفة الواقعية على عكس المثالية الهيغيلية والتي عرّفها أرسطو بالعالم الطبيعي أي عالم التجربة الحسية وهو مصدر كل الحقائق وأن لا وجود لمثل عليا. أما كانط فيعبر عن مثاليته المتعالية بقوله: “إن ما أسميه مثالية متعالية للظواهر هو مذهب يعتبر أن هذه الظواهر هي تمثلات ذهنية وليست أشياء بذاتها لأن معرفة الأشياء بذاتها أمر غير ممكن”. ويعطي هذا التيار المكانة العليا للعقل الإنساني أو للروح الإنسانية السامية إذا أخذنا بالمصطلح الألماني للعقل الذي يقصد به الروح أكثر من العقل. وتجعل من الفرد الإنسان محور العالم وأن لا شيء يعلى على القيمة الإنسانية أو الروح الإنسانية بإعتبارها جزء من روح سماوية.

 

الصنف الثاني:

هم أُناس يضعون تصوراتهم وأفكاراهم، ويعتقدون قطعاً بأن هذه الأفكار والتصورات هي الطريق الوحيد لحياة مثالية للبشر. ويعملون بكل قوتهم لترجمتها على أرض الواقع. ولذلك فهم لا يترددون قطعاً في فرضها على الناس بالقوة والإكراه، أو ما يسميه كارل ماركس مع زميله فريدريك انجلز بـ “العنف الثوري”. ويعتقد بأن المذهب الفلسفي المادي بدأه ديمقريطس وأبيقور ولم ينتهي بفيورباخ وكارل ماركس. ويحيل اصحاب هذه الفلسفة العالم وكل مافيه بما في ذلك الفكر والإرادة والشعور إلى المادة بإعتبارها صادرة عن الدماغ الذي هو مجرد مادة. ومن الأخطار الكبرى لهذا التيار الفلسفي هو  تشييء الإنسان وهذا يفضي في النهاية بدوره الحط من قيمة الإنسان كما أثبتت النتائج العملية لهذه الفلسفة.

 

إن لكل واقع إجتماعي حيثياته وظروفه وبيئته، كما أن له ظواهره الخاصة به، سلبية كانت أم إيجابية، وللوصول إلى معالجة هذه الظواهر السلبية المرضية لأي مجتمع، يجب تشخيص تلك الظواهر الخاصة بهذا المجتمع، كي يتم وصف دواء خاص بها وبالتالي معالجتها معالجة ناجعة.

أما أن يتبنى شعب بالعنف وعلى دفعة واحدة رؤى وأفكار وحلول جاهزة تصوَّرها أحدهم في ذهنه في مكان آخر بعيد وفي بيئة مختلفة وفي مجتمع مختلف تماماً، ومن ثم إسقاطها على واقعه المختلف كلياً يعتبر مؤشر على الشعور بالعجز والقصور، وبالتالي فمن الضرورة أن يؤدي ذلك إلى مضاعفة المعاناة إن عاجلا أو آجلا.

وهؤلاء – اقصد الصنف الثاني – لا يقدرون أو لا يعيرون أهمية على التمييز بين المعارف العلمية والمعارف النظرية، فالمعرفة العلمية يسعى إليها الإنسان أينما كانت، لأنه علم تطبيقي له قوانينه العلمية التجريبية ، ومع ذلك لا يخلو من الأخطاء وليس بمنأى عن الشك.  أما عالم النظريات والأفكار المجردة باستثناء علم الرياضيات ليست سوى تصورات وتخيلات ذاتية لا يمكن الركون إليها وإعتبارها حقائق مطلقة وقوانين علمية وربط مصير البشر بها. لأن العالم والإنسان في تغير مستمر بينما الأفكار والنظريات الفكرية هي بنت زمانها يسردها سين من الناس ثم يموت ولا يقوى على تغييرها بعد موته. وفي هذا السياق سُئل الفيلسوف برتراند راسل مرّةً: هل أنت مستعد أن تموت دفاعاً عن أفكارك؟

فقال: “لا.. أنا لست شهيداً، وأنا غير مستعد للموت في سبيل أفكاري، لأني ببساطة غير واثق من صحتها”.

والباحثون في تاريخ الفكر الإنساني وجدوا أن المفكرين والفلاسفة قد غيّروا من أفكارهم وآرائهم بنسب متفاوتة كلما تقدم بهم العمر وازداوا خبرة ومعرفة.

 

إذا أراد شخص ما أو شعب ما أن يستفيد من الآخرين ومن أفكارهم للتخلص من الظلم والاستبداد وتحقيق نهضته، عليه أن يبحث عنها – لتحقيق غايته – حيث حققت الشعوب التقدم والنجاح وانتزعت حريتها وحقوقها، وحيث تسود العدالة وحقوق الإنسان وحيث يعيش الإنسان مكرّماً عزيزاً حراً. لأن الإنسان الحر هو وحده القادر على الإبداع والعطاء وخلق نهضة شاملة.

 

ففي العالم الكبير ما يكفي ويزيد من التجارب الإنسانية الناجحة في كل الميادين، فهناك الثورة الأمريكية التي حررت أمريكا من الاستعمار البريطاني وسارت بخطى حثيثة نحو التطور حتى غدت أقوى دول العالم في جميع المجالات، والثورة الفرنسية التي قضت على النظام الملكي ورفعت مبادئ “الحرية والأخوة والمساواة ” وأعلنت مبادئ حقوق الإنسان، فغدت فرنسا مثالاً يحتذى لدول وشعوب العالم. وهناك الأفكار التنويرية الرائدة التي أسست للنهضة الأوروبية الحديثة، وتجارب اليابانيين في كيفية تطوير بلادهم وتحقيق نهضة كبيرة. وبدلا من دراسة هذه التجارب الناجحة ومحاولة الاستفادة من تلك الأفكار التي قامت على مبادئ الحرية والعدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، لجأت الأحزاب الكردية إلى تبني أفكار غريبة ورفعت شعارات ومفاهيم مثل الديمقراطية والاشتراكية والماركسية وتغافلت عن العوامل الموضوعية التي نشأت فيها هذه الأفكار وأسقطتها على الواقع الكردي المختلف كلياً في مجالات متعددة، واقتدت بتجارب فاشلة وتأسّت بحركات وثورات مختلفة، وبعضهم اتخذ من طغاة فاشلين قدوة ومثل أعلى أمثال لينين وستالين وماو تسي تونغ وبول بوت وهو شي مينه الذين انبهروا بأفكار وطروحات كارل ماركس المادية، وحاولوا تطبيقها على شعوبهم، فتسبّبوا في حياة بائسة لشعوبهم، وبمجاعات وكوارث راح ضحيتها عشرات الملايين من الأنفس البريئة. وفي نهاية الأمر ثارت شعوب أكثر من ثلاثين أمة في أوروبا الشرقية وفي جمهوريات ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي على هذه الأفكار الشمولية المستبدة وعلى الأنظمة التي تبنَّت هذه الأفكار وأرسلتها إلى الجحيم.

 

أليس هذا خير دليل على فشل الأفكار الشمولية التي تُفرض بالخوف وبقوة السلاح وتحط من قيمة الإنسان ومن قيم الحرية والعدالة والمساواة؟

ولو أن دولة الصين الشيوعية لم تغير نظامها الاقتصادي الاشتراكي الماركسي بالنظام الاقتصادي الرأسمالي، لانهارت هي الأخرى، أو عانى شعبها من وطأة الجوع والعوز والفقر.

وما وقوف الدول التي قامت على الأفكار الماركسية مثل كوبا وفيتنام على أبواب الولايات المتحدة الأمريكية تستجدي التعاون والمساعدة، إلا أكبر دليل على فشل الفكر الماركسي الشمولي الذي يسحق الفرد باسم الجماعة ويسحق الجماعة باسم الدولة والقائد.

إن الأفكار تقاس وتُقيم حسب نتائجها على أرض الواقع، ولا تُقيّم كما هي في الكتب، فكل الأفكار تقريباً تنال الاعجاب والاستحسان عندما نقرأها في الكتب. والأفكار العظيمة هي بنات التغيرات العظيمة في التاريخ. وليست مجرد رد فعل لواقع ما، فالأفكار التي تؤسس على ردود الفعل والنقد  كأفكار كارل ماركس وزميله انجلز تفتقر إلى الإبداع والفاعلية كما تفتقر إلى القابلية للتطبيق على أرض الواقع، لأنها لا تنسحم مع مصالح الناس وآرائهم ، ولذلك يلجأ أصحاب مثل هذه الأفكار إلى ابتكار وسائل عنفية لفرض أفكارهم بالقوة والعنف على الناس. لذلك لا تلبس هذه الأفكار أن تُلفظ في أقرب فرصة تتاح للناس. كالطفل الذي ينتظر أن تدير أُمه وجهها عنه ليقوم فوراً بلفظ الطعام الذي لا يستغيثه.

 

أن اعتناق أي فكر أو دين والذي يتم غالباً دون وعي وإدراك كامل، يجعل من المعتنق خادماً لها ويسخر كل امكانياته الذهنية والجسدية من أجل استمرارها وإحيائها، لذلك نجد أن المتدين والمؤدلج يتشابهان كثيرا من حيث تقديم التبريرات للنتائج السلبية لهذا الدين أو لتلك الأيديولوجية. فالإسلاميون يحيلون هذه النتائج السلبية لدينهم إلى عدم فهم المسلمين لجوهر وحقيقة الدين، وذلك بأنهم يفسرون النص الديني أو يؤولونه بشكل خاطئ. ولا يختلف المؤدلجون عن الإسلاميين هنا في شيء ويحيلون هم بدورهم النتائج السلبية حيث مورس النظام الماركسي بسوء تطبيق وعدم فهم حقيقي للنظرية الماركسية. علماً أن طلاب الكليات وحتى تلاميذ المدارس ينجحون في إمتحان هذه المواد المتعلقة بالإسلام والماركسية بيسر وسهولة وحتى أحيانا بتفوق.

 

إن الأفكار المبدعة والخلاقة هي الأفكار التي تنشأ وتتأسس على أساس الواقع وتنطلق منه لتحقق النجاح. فما كان بإمكان الإسكندر الأكبر أن يكون الأكبر ويحكم نصف العالم لولا فهمه لواقعه وتشربه لأفكار الفلسفة اليونانية التي عاش وكبر عليها، وكذلك ما كان بإمكان الرسول العربي محمد بن عبدالله تأسيس دولته المحمدية ومن ثم غزو خلفائه العالم، لولا استفادته وفهمه لواقعه ولثقافة البدو العرب الغزوية ومراعاته لواقعه العربي الصحراوي الذي عايشه، واستيعابه واستفادته من الأفكار التوراتية والإنجيلية وحتى الزرادشتية أيضاً التي كانت منتشرة في أنحاء شبه جزيرة العرب.

وما كان بإمكان جنكيزخان ومن بعده سلاطينه أن يغزوا العالم ويؤسسوا أكبر امبرطورية عالمية لولا مراعاته لواقع الشعب المنغولي وثقافته، حتى يذهب البعض من الباحثين أن ثقافة الذئاب كان لها التأثير الكبير في إقتحامه للعالم. ومن المعروف أن الشعب المنغولي من أكثر الشعوب التي تفاعلت وما تزال تتفاعل مع الذئاب المنتشرة بكثرة في أنحاء منغوليا. ومن يطلع على حياة الذئاب ومجتمعاتهم وكيفية إقنتصاهم لفرائسهم بطريقة محكمة تكاد تخلوا من المخاطرة في أكثر الأحيان، سوف لا يستغرب كيف تحول جنكيزخان إلى ذئب بشري وغزا العالم.

كما أن الإشارة إلى العريف النمساوي في الجيش الألماني في الحرب العالمية الأولى أدولف هتلر لا تخلوا من الفائدة في هذا المجال رغم الكارثة الكبرى التي ألحقها بالبشرية، حين استغل الأفكار النازية العنصرية التي سخَّرت بدورها أفكار الفلاسفة الألمان مثل فيخته وكانط وهيغل ونيتشه بالأخص أبشع إستغلال في تفجير حيوية وطاقة الشعب الألماني الذي كاد أن يفرض سيطرته على العالم، لولا صراع جيشه المرير في تخوم موسكو مع الثلوج الكثيفة المتساقطة بشكل هائل والبرد القارس الذي لا يحدث سوى مرة واحدة كل عشر سنين تقريبا قبل صراعه ضد بقايا جيش ستالين الأحمر.

لم يحصل في التاريخ البشري تجربة ناجحة من هذا القبيل، رغم كثرة المحاولات التي تم فيها إسقاط أفكار وعقائد شمولية، فحيث إنتشرت الأديان كالمسيحية والإسلام والهندوسية والبوذية، انتشر التخلف والانحطاط والركود لاحقاً، وحيث انتشرت الماركسية انتشر الاستبداد والفقر وانعدمت الحريات وانتُهِكت حقوق الإنسان فوراً.

 

إن تحرير الشعوب أو أي نضال من أجل الحرية يجب أن يعتمد على قادة يتمتعون بذكاء حاد وبعبقرية فائقة وبحسٍّ سليم وتفكير صحيح وقدرة فائقة على التحليل والتركيب والربط المحكم السليم بين الوقائع والأحداث السياسية، قادة يُقدِّرون الحرية بالدرجة الأولى والناس الأحرار، قادة يقدرون على تمييز الأفكار الرديئة عن الأفكار الجيدة، بتبنيهم أفكارا تقدس قيم الحرية والعدالة بين البشر، أفكارا تُقدِّس الروح الإلهية في الإنسان وتمنح الإنسان القيمة الكبرى في الوجود، وليس على أفكار وعقائد تُسخر الإنسان وتسخر هذه المبادئ الإنسانية لخدمتها، وتلغي منها كل ما لا يتوافق مع مضامينها، وتقدم مضمون أفكارها ومصالحهاعلى هذه المبادئ السامية أو تفصلها على قدها. ثم تستهتر بالروح الإلهية في الجسد الآدمي وتحتقر الإنسان وتشيؤه وتجعل منه مجرد أداة عليه فقط إطاعة الأوامر وأداء وظيفة ما لا أكثر.

أليس من غير المعقول أن يحارب الإنسان من أجل نيل حريته بفكر يعدم  أو يُقزم من حريته، ويقدِّم نفسه على مبدئي الحرية والعدالة، ويعتبر الإنسان الآخر المختلف خائناً أو دونياً منحطاً لمجرد أنه يعارضه في الرأي والفكر.

 

إن أية حركة تعتمد على مثل هذه الأفكار الشمولية التي تتسم عادةً بالقصور والإقصائية وتخوين الآخر المختلف والتي تحتقر الإنسان بالحدّ من حريته وتُسخِّره كأداةٍ لتحقيق ذاتها، فهي وإن حققت مآربها، إلا أنّها لا تلبث أن تنهار، لأنها تحمل بذور فشلها في أحشائها. وذلك لأنها تقدم نفسها على أي مبدأ إنساني كالحرية والعدالة.

بمعنى أن الإنسان المعتنِق لهذه الأفكار يجد نفسه في شرنقةٍ أو دائرةٍ مغلقة، يطيبُ له الإقامة فيها لبعض الوقت، ويحرِّم على نفسه البحث والتفكير خارج دائرته، مثله مثل المتدين الذي لا يبحث عن أجوبة لتساؤلاته خارج دائرة دينه، ولا يسمح لنفسه تجاوز حدوده. وبالتالي يصاب المعتنق للدوغمائيات المختلفة بالضمور العقلي أو بالقصور العقلي، الذي عرّفه الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط “بأنه عجز الإنسان عن استخدام عقله دون الاستعانة بآخر. أي أنه يفقد القدرة على التفكير الذاتي، ويمارس سلوكه ويتخذ قراراته بالاعتماد على الشخص الوصي عليه”.  ومن الطبيعي للدوغمائي أن يصاب بالقصور العقلي كنتيجة طبيعية لتقييد عقله في دائرة ضيقة يحسبها عالمه الكلي، لأنه يكتفي بالاجترار والتكرار من دوغمائيته التي يعتبرها بمثابة الطريق الوحيد من أجل الخلاص النهائي للإنسان. وبالتالي يرتبط الدوغمائي بنبيّه أو بمفكره أو بقائده إرتباطاً وثيقاً لا انفكاك عنه، ويعتمد عليه إعتماداً كلياً. وليس  من الغريب هنا أن يتحول الدوغمائي إلى إنسان بائس منسحق، معدوم الإبداع، لكن هذا البؤس يبدو له من خلال شاشة دوغمائيته التي يعتنقها سعادة مثالية، ويحاول الشخص الدوغمائي بحماس كبير وباستمرار اللجوء إلى المنطق التبريري لبيان صحة دوغمائيته. وهو أي الدوغمائي كالسمكة التي تعيش طيلة حياتها في بحيرة مغلقة معتقدةً أن الحياة المثالية هو العيش في هذه البحيرة فقط.

 

لذلك يعيش هؤلاء الدوغمائيين المتعصبين بالضرورة مع أوهامهم وكأنها حقائق ثابتة، ويعتقدون أنه بإمكان هذه الأوهام تحقيق السعادة والتقدم للإنسان، نافين أن لا سعادة ولا تقدم ولا رقيّ للإنسان يمكن أن يتحقق دون تقديم المبادئ الإنسانية العليا على أية دوغمائية كانت.

إن جوهر الطبيعة البشرية أو الروح الإنسانية مؤسسة على جذوة من المبادئ والقيم العليا من أهمها حرية الإرادة الإنسانية والعدالة أي أنها تنفر وترفض العبودية والخضوع والإستبداد والظلم، ولا يمكن للروح الإنسانية أن تعيش وتحيا وتتطور دون حرية الإرادة وإقامة العدل. وليس من قبيل الصدفة وجود مجتمعات حضارية متطورة ومجتمعات أُخرى متخلِّفة. ولولا الإشتغال المتواصل على توفر حرية الإرادة والعدالة في الغرب لما شهدنا حضارة غربية.

وأنا على يقين تام كما أثبت التاريخ بطوله وعرضه الجغرافيين وبعمقه الزمني، بأنّ كلُّ دين أو فكرٍ أو أيديولوجية تُفرض بالعنف أو بالخوف أو بالتهديد، هي دوغمائية مبتورةٌ، لأنّها غير قابلةٍ للحياةِ دونَ أن تتغذى بإستمرار بالعنف والخوف. وكل حالة يعتريها العنف والخوف تكون حالة غير سليمة، والإنسان الملبوس بهذه الحالة أو المتماهي معها، هو بالتالي إنسان يعاني من الكبت العقلي، بمعنى أنه يضغط على عقله ولا يسمح له بأي تفكير يناقض دوغمائيته التي يعتنقها، أي أنه إنسان يُخضع عقله لدوغمائيته، أي أنه يجرد عقله من أهم أسلحته القوية وهو الحق في حرية التفكير وحق النقد، وبالتالي فهو عقل مُسيّر فاقد القدرة على الفعل والإبداع والابتكار، وهو في النهاية عقل خامل مطيع غير قادر على الالتزام بقواعد المنطق العقلي، لأن العنف والخوف يؤثران على هذا العقل، بحيث تحل الطاعة العمياء والولاء المطلق، محل الاعتماد على النفس أو الثقة بالنفس والقدرة على الإعتراض والنقد، وينعكس ذلك سلباً على عمل آليات الإدراك السليم لدرجة كبيرة، بحيث أنه يصيب هذا الإدراك قدر من التّشوّه يزيد أو ينقص تبعاً لحجم العنف والخوف الممارس عليه. وتتجلى أعراض هذه الحالة في ترديد جمل وعبارات وصياغات جاهزة مسبقة الصنع، مثل قال الله وقال المسيح وقال الرسول، أو قال ماركس وقال القائد وقال الرفيق. وهذا ما يفسر جزءًا مهماً من أسباب تخلف الشعوب الخاضعة إلى منظومات دوغمائية.

 

لاشك أن لكل هؤلاء القادة الكرد المشار إليهم جماهير عريضة، وخاصة المرحوم الملّا مصطفى البرَزاني (1903 – 1979)  الذي ارتقى إلى مصاف القادة الخالدين في التاريخ الكردي، وله يعود الفضل الكبير في انتشار الوعي القومي الكردي في الأطراف المترامية للوطن الكبير كردستان، لأنه عمل بإخلاص وتفاني واستطاع أن يستحوذ على اهتمام وتقدير عالمي، واقترن إسمه باسم الشعب الكردي، ورغم قصوره السياسي والذي أدى إلى انتكاسة كبيرة وإحباط نفسي لدى أفراد الشعب الكردي، لكن ذلك لم يؤثر على مكانته في قلوبهم عندهم قط، وخاصة بعد أن أشعل ابنه مسعود الثورة من جديد وتابع مشوار أبيه. ولكن هذا كله يجب أن لا يمنعنا من البحث عن مكامن العلل في الجسد الكردي وضع الإصبع على الجرح رغم الألم المصاحب لذلك، ودراسة التاريخ دراسة موضوعية، وعدم إفساح المجال للعامل الذاتي المنحاز أكثر مما يستحق وإعطاء الأهمية للعامل الموضوعي في عملية تقييم التاريخ والواقع الراهن، لما للعامل الذاتي من مضاعفات وآثار سلبية وخطيرة على حاضر ومستقبل الشعب الكردي إذا ما تم الاكتفاء بتناول الجوانب الإيجابية فقط وإغفال الجوانب السلبية، في الاشتغال على تقييم الممارسة التاريخية.

 

عوامل فشل الحركات الكردية المسلحة

 

لم يأخذ الساسة أو القادة الكرد بعين الإعتبار خصوصية القضية الكردية كما يجب. ومن أكبر الأخطاء القاتلة التي وقعوا فيها هي التالية:

أولاً: إبعاد العامل الذاتي:

لا شك أن العامل الذاتي يحتاج إلى دراسة موسعة، إلا أنني هنا سأتحدث باختصار جدا عن ذلك بما يلائم هذا الملف، وأقول بأن أية إنطلاقة إلى الموضوع تبدأ من الذات، وإذا لم يتم إدراك هذه الذات بشكل كامل وشامل بالتقيد بالقواعد الصارمة في البحث الموضوعي، فلا يمكن لهذه الإنطلاقة أن تتمكن من الوصول إلى الموضوع وتحقيق الغاية. وإذا لم نجد الأسباب لمشاكلنا في ذواتنا نحن أولاً وقبل كل شيء، فلن يفيدنا في شيء البحث عنها لدى الآخرين.

ولقد استهان القادة الكرد بمن فيهم أوج آلان بدراسة العامل الذاتي عند الكرد، صحيح أن أوج آلان أجهد نفسه في البحث في العامل الذاتي لكنه لم يوفق في ذلك بطريقة صحيحة على الإطلاق، لإعتماده الكلي على تيار المذهب المادي في الفلسفة، ولذلك فشل في إيقاظ القوة الكامنة عند الشعب الكردي بإسقاط أفكار راديكالية هشة اعتبرها تشكيلا جديدا للوعي الكردي، وأحدث شرخا عميقا بين الكرد، أما توسُّع جمهوره نسبيا بين كرد سورية والعراق خاصة، فلا يعود إلى انتشار أفكاره الماركسية البوكشينية الغريبة والطوباوية، وإنما يعود بالدرجة الأولى إلى تعطش الشعب الكردي للحرية من جهة، ونفوره الساذج من الثقافة الإسلامية التي يعتبرها الكثيرون هي المسؤولة عن تخلف الشعب الكردي من جهة أخرى. بدليل أن غالبية جمهوره غارق في التعصب القومي ولا يفقه من الماركسية إلا اسمها. ويمكن أن أُضيف عاملا آخر إلى ذلك وهو اعتبار قطاع كبير من جمهوره جهلا أو عن قلة دراية أن حركة البرزانيين حركة عميلة وعشائرية متخلفة ليس بإمكانها تحقيق مصالح الشعب الكردي، وقد عمل على نشر هذه الفكرة التي يعتريها الكثير من اللغط والقصور عدد من الأحزاب اليسارية بالإضافة إلى حزب العمال الكردستاني وحزب السيد جلال الطالباني ومن دار في فلك هذين الحزبين.

 

ثانياً: إغفال العامل الموضوعي

لم يأخذ القادة الكرد على اختلافهم حقيقة ناصعة وهي أنه من دون حلف كردي وثيق ودائم مع قوة عظمى عالمية، فإن قتال الكرد هو في النهاية مجرد هدر دم. كما أن إحدى مشاكل بعض هؤلاء القادة هي عدم فهم أن لا وجود لصداقات بين الدول والشعوب وإنما توافق مصالح. وأن الدول لا تعترف بالضعيف أو المخالف لثقافته إلا في أمور تكتيكية تعود بالنفع إليها بالدرجة الأولى. وفي هذا المجال فقد فشل هؤلاء في تكوين قوة كردية معتبرة يمكن أن تحظى بثقة دولة عظمى بأنها ستحقق مصالحه أكثر من الدولة المستعمرة – كما ذكرت سابقا – وموقف الولايات المتحدة الأمريكية في العراق والمتردد في دعم استقلال كردستان العراق يوضح هذه النقطة بجلاء، وذلك رغم الدور الهام الملقى على عاتق حكومة إقليم كردستان العراق في مكافحة ومحاربة ما يسمى بالدولة الإسلامية الغير معترف بها من أية دولة (داعش سابقا).

 

ثالثاً: غياب الدعم الشعبي المناسب والكافي

إن لجوء القادة الكرد إلى السلاح وإعلان الكفاح المسلح باسم الشعب دون الحصول على تأييد وموافقة شعبية كافية لضمان نجاح ثورتهم، أي دون اكتساب الشرعية القومية الواسعة والضرورية لنجاح الكفاح المسلح التحرري، كما أن تجاهل أو عدم إعطاء أية أهمية لرؤى وآراء معظم الشعب الكردي حول اللجوء إلى الكفاح المسلح، ومحاولة فرض الرؤية الثورية العنفية في كثير من الأحيان بالعنف على مجتمع غير مهيأ بعد لقبول الآراء الثورية تلقائياً، ورافض بشدة أن يُكره ويُدفع إلى أي شيء عنوةً، بل إن قسماً كبيراً من الشعب معادٍ لها. كانا عاملان هامان في إخفاق هذه الحركات المسلحة.

 

ثالثاً: الوقوع في فخ لعبة القط والفأر

إن لجوء القادة الكرد إلى سياسة التكتيك، لعبة القط مع الفأر، وذلك بالتعاون مع الأنظمة الاستبدادية المحتلة لكردستان والإعتماد الكلي عليها أحياناً في النضال القومي التحرري، تسبب في اخفاق هذه الثورات أو الحركات الكردية وفي معاناة كبيرة للشعب الكردي. وقد تكرر هذا عند أغلب الحركات الكردية المسلحة. وكانت طبعاً الضحية دائماً هو الطرف الكردي لأنه الطرف الأضعف في اللعبة.

والمحير هنا أن هذا النهج السياسي للقادة الكرد وأحزابهم ما يزال يتكرر رغم نتائجه السلبية. وهنا خطر لي قول لآينشتاين حيث يقول بأن الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات مع إنتظار نتائج مختلفة. ولا أدري إلى درجة ينطبق هذا على النضال المسلح للقادة الكرد، ولكن بالتأكيد هذا النهج السياسي ليس بريئاً تماما من تعريف آينشتاين للغباء.

ويمكنني إلحاق نفس هذه الأخطاء تقريبا بالحركة الكردية المسلحة في سوريا والتي يقودها حزب الإتحاد الديمقراطي PYD التابع لحزب العمال الكردستاني منذ  نشوب الحرب الأهلية السورية 2012 وإلى تاريخ كتابة هذه السطور.

 

وكان من أشد العواقب التي إنعكست سلباً على الحركة الكردية من جراء ذلك هي الآتية:

 

اولاُ: أن وقفت الغالبية من الشعب موقف اللامبالاة من هذا النضال التحرري الكردي، وكأنه لا يعنيهم.

 

ثانياً: قبول قطاعات مختلفة من الشعب الكردي إلى اللجوء إلى السلاح لمساندة الدولة المستعمرة ضد الحركات الكردية التحررية المسلحة بهدف حماية مصالحها وأحياناً الدفاع عن نفسها من هجمات بعض هذه الحركات الكردية عليها من ناحية، ومن ناحية أخرى إعتبار هذا النضال المسلح لهذه الحركات من وجهة نظرها ليس سوى مغامرة طائشة أو مقامرة بمصير الكرد.

 

ثالثاً: تدمير الآلاف من القرى والبلدات الكردية ومقتل مئات الآلاف من الكرد المدنيين وتشريد الملايين منهم، وتشير بعض الجهات إلى رقم هائل من الضحايا يصل إلى مليون وثلاثمائة ألف وذلك خلال المائة السنة الأخيرة. وحرمان المناطق الكردية من الكثير من المشاريع الاقتصادية والتنموية بكافة أنواعها، وبالتالي أدى هذا إلى هجرات مليونية إضافية للكرد للبحث عن مصدر للرزق والعيش.

 

رابعاً: هبوط المستوى المعيشي عند الكرد عموماً. مما أثر سلباً على نواحي التعليم والصحة ونسبة الأمية وغير ذلك، مما أدى بالتالي إلى إحداث عرقلة كبيرة في عمليات تحول التطور الاجتماعي الطبيعي للشعب الكردي. وهجرة حوالي مليوني كردي إلى أصقاع مختلفة من العالم.

 

خامساً: إحداث شروخ عميقة بين فئات المجتمع الكردي بكل شرائحه ومثقفية. والواقع السياسي الراهن للأحزاب الكردية يظهر ذلك بجلاء.
سادساً: هذا كله أدى في النهاية إلى تعطيل أو على أقل تقدير تأخير عمليات تشكيل وتطوير الوعي العمومي عند الكرد.

ولعل الخلاصة المفيدة التي يمكننا ذكرها هنا فيما يتعلق بهذا الموضوع بأن السلاح الذي لا يقتل العدو يقتل صاحبه.

المقالات المذيلة بأسماء كتابها لا تعبر بالضرورة عن رأي الوكالة

الرابط المختصر:

مقالات متعلقة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 2 =

Top