اّخر الأخبار
‹قسد› تصل إلى سد الفرات بالرقة11 مهاجر غير شرعي يلقون حتفهم غرقاً في سواحل تركيا الغربيةمعارك بين YPG والجيش التركي بريف عفرينحسني مبارك في منزله بالقاهرة بعد سجن 6 سنواتقوات سوريا الديمقراطية تتقدم على ضفتي الفرات بالرقةقوات النظام تسيطر على دير حافر بريف حلب بعد انسحاب تنظيم داعش منهاقوات سوريا الديمقراطية تتقدم بمحوري شرق الرقة وسد الفراتأنباء عن وصول قوة من بيشمركة YNK إلى ريف كوباني‹قسد›: انتقلنا غرب الفرات، ونتوجه إلى الطبقة وسد الفراتداعش يتبنى هجوم ويستمنستر في لندنأنقرة: نرفض استبدال داعش بـ PYD في الرقةالمعارضة تقطع طريق محردة – السقيلبية بريف حماة الشماليأكثر من 300  قذيفة تسقط على ريف عفرين خلال يومينقوات النظام تحاصر داعش بمدينة دير حافر شرق حلبالمدفعية التركية تستمر بقصف ريف عفرين، والطيران يحلق بأجوائها‹جنيف 5› تنطلق يوم الجمعةبرلين تصدر 15 ألف قرار بمنع دخول طالبي لجوء إلى ألمانيا من بلدان ‹آمنة›إنزال جوي مشترك بين ‹قسد› والقوات الأمريكية على الطبقة بريف الرقةدهس وطعن شرطي وإطلاق نار أمام البرلمان البريطانيالجيش التركي يعلن مقتل أحد جنوده برصاص قناص من ‹مناطق PYD› في عفرين

 PATISM .. الپاتيزمية: العَداء السَّافِرُ للكُرد

981615.png

زاغروس آمدي

بقلم: زاغروس آمدي

تعريف:

الپاتيزمية مصطلح أُطلِقه إختصاراً على المثقفين والسياسيين من نُخب الفرس والعرب والترك، الذين يعادون الكُرد ويبثُّون الحقد والكراهية بين الكرد وشعوبهم، لدواعٍ عنصرية ومصالح قومية شوفينية بحتة ، ويعملون بشتى الوسائل المتاحة لديهم ضد الشعب الكردي لمنعه من حق تقرير مصيره والحصول على حريته وإستقلاله. والأحرف الثلاثة الأولى من PATISMUS ترمز إلى تلك النخب من الفرس والعرب والترك.،Persians, Arabs, Turks.

العَداء السَّافِرُ للكُرد

نحن كأكراد وكمسلمون في غالبيتنا وكشعب ساهم بشكل إيجابي في التاريخ المشترك لشعوب المنطقة، كنا نأمل من الشعوب التي تشاركنا العيش في هذه المنطقة وحكوماتها أن تكون سبّاقة في تأييد إستقلال وحرية الكرد قبل الإسرائيليين، كون الكرد شريك قديم لهم في المنطقة وفي الارض والتاريخ والمصير.

لكن الواقع شيء آخر للأسف، فنحن الكرد بالنسبة لهم أخوة طيبين حين نقبل وصايتهم علينا ونخضع لهم، ونومىء رؤوسنا لهم. لكن نصبح من ألد أعدائهم حين نفكر أو نحاول أن نكون أحراراً مثلهم.وأن يكون لنا دولة كما لهم دولة. ويجب أن أعترف بأن الباتزميين نجحوا إلى حد كبير في إيهام شعوبهم بمعلومات مزيفة وخاطئة عن الشعب الكردي ليس من السهولة محيها وإزالتها.

الكرد كما معروف تاريخياً من أعرق شعوب المنطقة، وحين تواجدوا في فيها لم يكن هناك لا أتراك ولا عرب، والفرس كان بالنسبة للكرد مجرد أتباع في إمبرطوريتهم الميدية التي أسّسوها في القرن السابع قبل الميلاد.

وإذا أجرينا مسحاً ديموغرافياً تقريبياً لسكان منطقة الشرق الأوسط نجد أن الكرد هم ثاني أكبر شعب فيها بعد العرب، رغم عمليات التفريس والتتريك والتعريب التي مورست بحق الشعوب الأقدم في المنطقة. وما تَستُّر ومنع هذه الدول من إجراء إحصاء يظهر أعداد الشعوب المختلفة فيها إلا علامة صارخة من علامات خوفهم من إنكشاف الحقائق التي يخفونها عن شعوبهم وعن العالم. فإلى وقت قصير كان أكثر العرب لا يعرفون بوجود غير العرب في سوريا، وإذ يتضح لهم في غضون الحرب الأهلية المستمرة إلى الآن أن الشعب السوري هو ليس سوى خليط وموازييك من كثير من الشعوب والطوائف.

في الحرب العراقية الإيرانية التي إستغرقت ثمان سنوات أُستُخدِم الكرد كوقود رخيص لهذا الحرب من طرفي النزاع، من خلال عشرات الآلاف من المجندين الكرد في الجيشين الإيراني والعراقي. وسقط الآلاف منهم ضحايا هذه الحرب التي لم تكن لهم لا ناقة فيها ولا جمل. هل أحس أحد من الباتزميين بمعاناة الكرد في هذه الحرب؟ طبعا هذا آخر ما يمكن أن يحس به هؤلاء، لأنهم يعتبرون الأكراد مجرد شعب دخيل على هذه المنطقة، وهم ليسوا سوى رقيق جاهزين حين الطلب، ليس لأنهم لم يقرؤوا التاريخ وإنما لأنهم ينظرون إلى الأشياء برؤية الشوفيني الذي تتخيل له الأشياء كما يرديها هو وليس كما هي حقيقتها في الواقع.

ولتوضيح جزء من معاناة الإنسان الكردي، سأروي هنا لحظة من اللحظات الأليمة التي عشتها أنا شخصياً تحت وطأة الممارسات والسياسات الشوفينة تجاه الشعب الكردي.

ففي عام 1983 أُجبرت كغيري على أداء خدمة العلم أي الخدمة العسكرية، وصرت مجندا في الجيش العربي السوري كقائد فصيلة دبابات برتبة ملازم مجند، وكانت خدمتي بسهل البقاع اللبناني، وكانت فصيلتي في الخطوط الأمامية، وكنا نحن والجنود الإسرائيليون نرى بعضنا وجهاً لوجه، إذ كانت المسافة بيننا عشرات الأمتار. وقد قضيت ما يقارب الشهر هناك، وكانت تلك الأيام من ذلك الشهر من أشد أيامي عذاباً ومعاناةً، عانيت فيها صراعاً فكرياً مريراً فيما يتعلق بقضية المصير والوجود بالنسبة للإنسان الكردي، ومع أني لم أؤمن يوماً بالجبرية التي تخضع الإنسان لإرادات غريبة عنه كالإرادة الإلهية، لكني ولأول مرة أحسست بأني محاط بكل الجهات بقيود هذه الجبرية اللعينة، لكني طبعاً لم أستسلم للمصير الذي وجدت نفسي فيه، وبدأت في الأيام الأولى من ذلك الشهر أُفكر في كيفية تغيير أو إنهاء هذا المصير الذي وقعت فيه مكرهاً دون إراداتي.

بعد حصولي على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) حاولت بكل السبل الخروج من سوريا والسفر الى الخارج للدراسة للتخلص من الخدمة العسكرية في الجيش العربي السوري، التي كنت أرفضها بشدة منذ أن بدأ وعي القومي بالتشكل منذ طفولتي في أسرة فقيرة تؤمن بأن للكرد حق كباقي الشعوب في أن يعيش بحرية. لكن للأسف فشلت في ذلك لأسباب مادية، وكنت مثل الكثيرين من الشباب الكرد يكرهون بشدة أداء هذه الخدمة، كانت أسبابي مثل غيري من شباب الكرد في رفض أداء الخدمة العسكرية الإلزامية، وهو إضهاد الدولة أو الحكومة أو حزب البعث للكرد وإنكارهم لهويتهم القومية وتطبيق مشاريع عنصرية في حقهم، كعملية التعريب التي شملت اللغة وأسماء القرى والأشخاص بطبيعة الحال وتجريد عشرات الآلاف من جنسيتهم السورية وإعتبارهم لاجئين. بالإضافة الى مشاريع عنصرية أخرى كمشروع الحزام العربي وتوطين عرب الغمر ومنحهم اراضي الكرد على الشريط الحدودي مع تركيا، ناهيك عن إستبداد الدولة الديكتاتورية التي مسخت الشخصية الوطنية عموماً إلى شخصية مشوهة فاسدة بإرهاب الدولة المتعدد الأشكال والأساليب، بحيث أضحت هذه الشخصية الوطنية لا هم لها ولا هدف سوى إلتقاط ما يرمي إليها من فتاة الطعام المتبقية على طاولة مغتصبي السلطة المافوية، كما ترمى العظام للكلاب. وأثناء أدائي لدورة المدرعات بالقرب من مدينة حمص، زارنا مصطفى طلاس وزير الدفاع آنذاك وقام بإلقاء محاضرة، وكانت مخصصة للطلاب الضباط المتطوعين، فاصطحبني معه واحد من هؤلاء على أني منهم وكان لنا معرفة سابقة في مدينة حلب، وتحدث طلاس حينها لنا بصراحة لم أكن أتوقعها، مختصراً سياسة النظام بالمثل الشعبي القائل “جوِّع كلبك يتبعَك”. هكذا لفظها هو بنفسه.

كنت أشعر بأني مكره  ومجبر على أداء الخدمة العسكرية، كالعبد الذي يساق إلى رحى معركةٍ لا معنى لها ولا هدف، أو كالحمار الذي يساق إلى الدرّاسة أو الى الطاحون ليجر الرحى ويصنع الدقيق لمن يضربونه ويركبونه ويستغلونه. قد يستغرب البعض من شعوري هذا ممن لم يعش الظروف التي عشتها من هذا الموقف الذي اتخذته وهذا الشعور الذي إنتابني من مسألة الخدمة العسكرية في الجيش العربي السوري، وهذا شيء طبيعي، فمن لم يشهد مخاطر العواصف البحرية، سوف لن يستطيع أن يشعر بشعور من شهد ذلك، ومن لم يُجَرّ جرَّاً إلى معسكرات الإعتقال النازيّة لإلقائه في الفرن الحارق بعد خنقه بالغاز، أو من لم يجد نفسه في لحظة غادرة في سيبيريا حيث معتقلات ستالين للأعمال الشَّاقّة ليعيش طوال 24 ساعة على كسرة خبز صغيرة لا تكفي غذاءً لجردون كي يبقى حياً، سوف لن يصل إلى معرفة ما معنى أن تختنق بالغاز أو تعاني من الجوع والظلم والعذاب في تلك المعتقلات، ومن لم يعمل مع الله في صناعة الكون في ستة أيام، سوف لن يفهم لماذا استراح الله في اليوم السابع. ومن لم ينكح بهيمة في حياته ولو مرة واحدة سوف يستغرب جداً إذا رأى أحدهم يفعل ذلك. وأسوأ شعور كنت أعاني منه هو أن أُقتل في قصفٍ إسرائيليٍ، وأذهب رخيصاً تعيساً وبدون ثمن أو ببلاش (كما يقال في العامية) من هذا العالم، أحسست بأني مجرد نملة صغيرة سحقتها قدم طفل صغير ليس أكثر.

أُقتل في سبيل من أو في سبيل ماذا؟ من أجل نظام عسكري طائفي لعين أو من أجل حزب فاشي عنصري يمنعني أن أتعلم لغة أمّي وأبي، ويعاقبني إذا صرّحت بأني كرديّ، وينكر قوميتي ويمارس على شعبي سياسة التعريب والعنصرية، ويغير إسم ضيعتي ويجرِّدني من بطاقتي الشخصية التي يكتب فيها بأني عربي دون إرادتي.

تذكرت موقف بعض الأصدقاء أيام الجامعة وما بعدها في الثمانينات من القرن الماضي من هذه السلطة الغاشمة، وكان بعضهم لا يتردد في القول بأنه إذا زحفت إسرائيل إلى دمشق وإحتلتها، لأهون له وأفضل من هذه السلطة الحاكمة (البعثية-العلوية) هذا ما سمعته حرفياً من بعض الاصدقاء العرب.

 فكيف لي أنا الكردي الذي أُعاني معاناة إضافية على معاناتهم من هذه السلطة الديكتاتورية الفاسدة والعنصرية، القائمة على إرهاب الشعب وإمتصاص دمائه كخفافيش الظلام بالعديد من أنواع الأجهزة الأمنية وغير الأمنية وأكثر من مليوني نصاب بعثي، والذين لاهم لهم ولا غم ولا وظيفة سوى نهب خيرات الوطن وإرهاب المواطنين وإمتصاص دمائهم نهاراً جهاراً. وقد نجحت هذه السلطة الديكتاتورية الفاسدة والعنصرية نجاحاً باهراً منقطع النظير في ترويض الشعب وجعله كقطيع غنم بمن فيهم طبعاً المثقفون،أو ككلاب تلحق بمن يرمي إليها بعظمة. هذه هي إذن الدولة الإشتراكية التي تمتلك وسائل الإنتاج ودولة العمال والفلاحين ودولة المساواة المطلقة بين جميع أفراد الشعب. يبدو أنه كلما أفرط نظام أو حزب ما في ترديد أو رفع شعار ما، جاءت الممارسة الواقعية عكسه. هكذا ما استنتجته على الأقل في المحيط الذي عشته. من الممكن أن تكون طبيعة الإنسان هكذا، فأكثر من يتحدث عن الأمانة والصدق مثلاً هم اللصوص والكذبة، وأكثر من يتحث عن الدين والإيمان هم ضعيفي الإيمان. وأعتقد أن الإنسان الذي يحاول دائماً وبشكل مفرط التحدث عن شيء يريد التعويض عن الشيء المفقود لديه. كالسجين الذي يتحدث عن الحرية.

 كنت أجلس ساعات طويلة وأنظر إلى الطرف الآخر من الحدود، إلى الجنود الإسرائليين، وأقول في نفسي لو كان مكاني بين هؤلاء الجنود لكان أهون علي من هذا الوضع فعلى الأقل لعاملوني معاملة أفضل وما كانوا نكروا هويتي القومية. وبدأت جدّياً أُفكر في كيفية الإنتقال إلى الطرف الآخر والتخلص من هذه الحالة النفسيّة المؤلمة، ومروادة هاجس الموت مبكراً كنكرة من أجلِ لا شيئ، بل من أجل من إغتصب أرضي وحقوقي وأنكر عليّ هويتي.

تعرفت على ضابط علوي من نفس اللواء الذي كنت أخدم فيه، كان يشرف على الحاجز الذي ينظم عمليات نقل اللبنانيين من وإلى الطرف الآخر. وكنت أتردد عليه بين الحين والآخر، لأستطلع على إمكانية العبور إلى الطرف الآخر، كانت المسافة بين الحاجز السوري والإسرائيلي تقريبا ستين إلى سبعين مترا.

إذن أحتاج إلى عشر ثوانٍ تقريباً للوصول إلى الحاجز الإسرائيلي، وبعد فترة من التمرين تبين لي أنّني أستطيع قطع تلك المسافة فعلاً بعشر ثوان أو حتّى بتسعة، والتي ستخلصني إذا ما مرت تلك الثواني بخير من هذا الشعور القاسي الموجع الذي كان يُكابدني.

وقد ترددت في تنفيذ تلك العملية ثم ألغيتها من ذهني، لأنه كما تبين لي بأن المخاطرة فيها كبيرة ومزدوجة، فربما أتعرض للرصاص من الطرفين، من الطرف السوري كوني هارباً وخائناً، ومن الطرف الإسرائيلي كوني حسب ظنهم مهاجماً ربما.

قلَّبتُ هذه الافكار في رأسي على مدار ذلك الشهر الطويل، وفي تلك الأثناء فكرت في اللجوء الى إحدى السفارات الغربية للتخلص من هذه العبودية القاسية. فهذه الطريقة إن نجحت تكون أقل مخاطرة من الأولى. وجازفت بالذهاب مرتين أو ثلاث مرات إلى بيروت رغم المخاطر الكبيرة، ومررت أمام سفارات بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وكذلك نزلت مرتين الى دمشق ، وأنا افكر بهذا الموضوع الذي يؤرِّقني.

وفي إحدى هذا المرات كنت في بيروت وإلتقيت بالصدفة بأحد الأشخاص الكرد اللبنانيين الذي كنت قد تعرفت عليه في صيف عام 1975 قبيل نشوب الحرب الأهلية في لبنان، حيث كنت أعمل في العطلة الصيفية مع مجموعة عمال سوريين في ورشة بناء، وكان هو المشرف على التمديدات الكهربائية حيث كنت أعمل في ذلك القسم، وقد نشأت بيننا علاقة ودية قوية نوعاً ما بسبب شعورنا وموقفنا من القضية الكردية رغم الإختلاف في الرؤى، فقد كان يسارياً وماركسياً عنيداً، وقد كان يحاول دائماً إقناعي بأفكاره فلم يفلح وكنت أرد عليه بجدارة، لكنه مع ذلك لم ييأس وكان دائماً يكرر نفس الكلمات والجمل حتى أنه عندما كان يحتد ويغضب، كان يذكرني بإمام جامع  حين كنت أُناقشه أحياناً، الذي كنت أسمع خطبه حين كنت أذهب أحياناً إلى الجامع لأحضر صلاة الجمعة. أنذاك كنت في السابعة عشر من عمري لكني كنت كثير المطالعة والقراءة والتي وقعت بغرامها مبكراً جداً، ولم أجد حينها في كتابات ماركس ولينين التي وقعت بين يدي ما كنت أبحث عنه، فقد بدت لي وقتئذٍ في أغلبها مجرد تفاهات لا تستحق القراءة، لم أعرف لماذا وقتها، ربما لأني كنت أبحث عن شيء آخر مختلف، أو ربما لأني لم أجد فيها ما يعبر عن الواقع الذي كنت أعيشه. لكن على كل حال كرهت الإشتراكية والدولة الإشتراكية منذ أن أكرهونا على ترديد شعارات حول الإشتراكية والحرية، ومنذ أن أكرهونا على أن نحفظ في المدرسة الإعدادية أنها تعني المساواة التامة بين الناس وأنها إمتلاك الدولة لوسائل الإنتاج وأنها دولة العمال والفلاحين. رغم أني في ذلك الوقت لم أُحط علماً بجرائم لينين وستالين الشنيعة بحق الشعوب السوفيتية ومثقفيهم.

واكتشفت لا حقاً أن إنتشار الماركسية والماركسية اللينينية والأفكار الإشتراكية عموماً لم يكن بسبب قوة مضامينها الفكرية والفلسفية، وإنما فقط بسبب الشعارات البراقة التي رفعها لينين ومن بعده ستالين كحق تقرير المصير للشعوب ومكافحة الإمبريالية والإستعمار، وحقوق العمال وما شابه، فصارت النجمة الحمراء رمزاً للحرية والعدالة الإجتماعية عند اليساريين المساكين في الشرق الأوسط، الذين إنخدعوا بتلك الظاهرة الشعاراتية، ودفعوا ثمن ذلك سنوات طوال وعقودا من حياتهم دون أدنى فائدة.

وقد سُررت فعلاً بلقائه الغير متوقع إطلاقاً، صاحب المعرفة القديمة، الماركسي العتيد، فدعوته إلى فنجان قهوة في أحد المقاهي القريبة منا، وبعد تبادلنا لأطراف الحديث عن الحرب اللبنانية والإجتياح الإسرائيلي للبنان وجدته يتحدث ببرود واضح عن المقاومة الفلسطنية، وقد بدا لي وكأنه قد بدَّل دينه بميله القوي جداً للسياسة الأمريكية، حتى أني عندما سألته عن صمود قلعة شقيف والتي شارك فيها بعض الكرد من كردستان تركيا، لم يُبدِ إي إهتمام، ولم أرغب صراحةً في سؤاله عن أسباب تغيير مواقفه السياسية وآرائه الفكرية إن هو لم يُثر الأمر بنفسه. ورجحت بنفسي أن الحرب الأهلية هي السبب الرئيسي على تبديل أرائه، وهذا حقيقة ما شجعني على أن أصارحه بفكرتي حول اللجوء أو تقديم طلب لجوء في إحدى السفارات الغربية. إذ لو بقي ماركسياً صلباً كما كنت قد عهدته قبل ثمان سنوات، لما كان خطر لي أن أُكاشفه برغبتي في اللجوء والهروب من الخدمة العسكرية.

فضحك ضحكة كبيرة أدخلت اليأس إلى نفسي حول هذا الموضوع، عندما بُحت له عن رغبتي تلك، إلا أنه سرعان ما تنبَّه لحالتي النفسية البائسة، فسألني بكل جديّة هل أني فعلاً جاد بما أفكر فيه، فأومأت برأسي بالإيجاب وأنا أتفحص عينه اللتين ما تزالان تحتويان على بقايا من ضحكته الكبيرة. فعدل من جلسته وأخذ سيكارة من علبتي، فأشعلتها له، وأنا انتظر ماذا سيقول، وبعد أن أخذ نفساً عميقاً قضى بها على ثلث السيكارة، نظر إلى بتمعن بالغ وكأنه يريد أن يبلغني بأمر مخيف قائلاً:

انظر يا صديقي، الأمر جد صعب وخطير خاصة بعد الإجتياح الإسرائيلي الذي حصل قبل سنة تقريباً، – وكنا آنداك في ربيع 1983 والإجتياح الإسرائيلي حصل في حزيران 1982-  ولن أعدك بشيء لكني سأحاول. وأعطاني رقم هاتف على أن أتصل به بعد اسبوع.

وكانت فرحتى كبيرة جداً حين هاتفت الرقم وأخبرني أحدهم بالموعد المحدد مع مسؤول مختص بالسفارة الأمريكية وكان هذا الموعد يصادف 25 من أبريل من ذلك العام.

لم يُقلل البقاع اللبناني الخصب الجميل والممتلىء بأشجار الكرز والدراق وبشتى أنواع الخضار نظراً لمناخه الجميل والمعتدل وأمطاره الدافئة من حيرتي وقلقي ولم يحد من تفكيري المتواصل بالمصير الذي أعيشه. وأثناء جلوسي مفكراً أو شارداً في حالتي تلك، وأنا انظر أمامي إلى الجنود والآليات الإسرائيلية، على بعد مئات الأمتار، وأنا أدخن السجائر الأمريكية الفخمة، وما أن أنهي سيكارة حتى أُلحقها بأخرى، فالميزة الوحيدة هنا هي توفر السكائر من شتى الأنواع وبأسعار زهيدة بالمقارنة مع أسعارها في سورية. تنبه إليّ أحد الجنود، وتقرب مني قليلًا ونبَّهني بلطف بالغ ألّا أُطيل الجلوس هكذا، فقد نقل لي ما يدور بين الجنود من حديث حولي وحول قضائي هذه الساعات الطوال التي كنت لا أشعر بها. ولحسن الحظ لم يصل بهم الامر إلى إكتشاف ما كنت أفكر به، وكانوا يعتقدون بأني حزين بسبب حظي السيء الذي ألقاني في هذه الجغرافية الخطيرة، بينما زملائي الآخرون كان أغلبهم أفضل حظاً أو واسطة مني فقد عُينوا أغلبهم للإشراف على مشاريع إنشائية في المدن السورية. أما شيخموس الحندي الذي كلمني وهو كردي من عامودا، فقد كان يفكر بشكل آخر، علمت بذلك حين أشار عليّ أن أُزيح هذه الافكار من رأسي دون أن يبوح لي أو أبوح له شيئاً عنها. وأضاف يقول:

قبل أكثر من ستة شهور حاول أحد الجنود أن يزج بنفسه في سيارة ركاب لبنانية متجهة إلى الطرف الإسرائيلي، لكن سائق السيارة تنبه إليه وأنزله في منتصف المسافة بين الحاجزين، فتم القبض عليه وسيق إلى التحقيق وإلى الآن لم يأتينا أي خبر عنه.

ومن قال لك أني افكر بالهروب الى الطرف الإسرائيلي؟ سألته متصنعا نوعاً من الإفتعال. فرد على بكل هدوء قائلاً:

سيدي أنت كردي وأنا كردي وأعرف تماما ما تفكر به. وشعوري لا يختلف كثيرا عما تشعر به.

رردت عليه بإختلاق أسباب اخرى لجلوسي وتفكيري بهذا الشكل واختلقت له قصة عشقي لفتاة ستتزوج رجلا غيري في هذه الفترة، لكنه بدا لي غير مصدقٍ قصتي. وكأن الذكاء الذي كان يشع من عينيه الصغيرتين البراقتين المندفعتين إلى داخل تجويف عميق في القحف وفي نظراته الصامتة كأنه يقول لي لاحاجة لك بي إلى الكذب. بالإضافة إلى أني لا أجيد الكذب إطلاقاً وأكره نفسي جداً إذا ما إضطررت إلى الكذب، فقد تعودت طول الوقت على قول ما أُريده بصراحة ودون تردد رغم صعوبة ذلك وما كان يسبب لي ذلك من مشاكل أحياناً. وقد حاولت أن أغير من هذه العادة لكني فشلت دائماً. يبدو أن بعض الخصال في الإنسان هي كطبائع لا يمكننا إلغاءها أو حتى تعديلها.

وهكذا كان يمر عليّ كل يوم أثقل وأقسى من اليوم الذي قبله، كالذي يتهالك من حمله الذي يسير به كلما طال به المسير.

وفي اليوم الأخير من ذلك الشهر المشؤوم وقد بقي لي ثلاثة عشر يوماً على موعدي لدى السفارة الأمريكية، سمعت هدير محرك سيارة جيب تأتي نحونا، وانطبقت أوصافها على ذلك الجيب الذي أقتيد به ذلك الجندي السيء الطالع الذي حاول الهروب إلى الطرف الإسرائيلي.

قمت من مكاني متجها صوب خيمتي التي اقيم فيها، وأمسكت بالرشاش الكلاشينكوف ولقمته، بعد أن لقمت مسدسي الروسي مكاروف ايضاً. في غضون ذلك كان الجيب قد وصل قرب الخيمة. نظرت من طرف الخيمة رأيت ضابطا برتبة رائد يقفز من الجيب ، وإلى جانبه عدة جنود من بينهم شيخموس، هل يمكن أن يكون شيخموس قد وشى بي؟ لا وقت للتفكير فالرائد سار بالإتجاه نحوي وما هي إلا ثواني سيكون داخل الخيمة. ألقيت بالرشاش الكلاشنكوف على السرير العسكري الذي بجانبي حين لم أر مرافقة مسلحة معه، لكني أبقيت على المسدس مكاروف ملقنا. دخل أحد الجنود علي محيياً وقال:

سيدي: قائد كتيبة الهندسة الرائد إبراهيم يريد منك الخروج لمقابلته.

عندما نطق هذه الكلمات القليلة كأنه سكب عليّ سطل ماء بارد أشعرني بإرتياح لا مثيل له في حياتي، فقد كنت في لحظة من أحرج اللحظات التي عشتها في حياتي على الإطلاق، والتي أثناءها راودتني أفكار خطيرة جداً، وبأني لن أُسلِّم نفسي للمخابرات العسكرية إلا جثة هامدة بعد مقاومة عنيفة، هذا ما كان يدور في خاطري في تلك اللحظات الصعبة الرهيبة.

فقلت له: “اخرج وقل له بأَني قادم إليه حالاً”

بعد أن خرج الجندي من الخيمة ألغيت تلقين المسدس، ووضعت سيدارتي على رأسي وخرجت إليه محييا ومقدما إليه نفسي.

وبعد لحظات قليلة أمسكني من ذراعي بهدوء ومشى بي مبتعدا قليلاً عن الجنود، وكأنه لايريد أن يسمع الجنود حديثه معي.

“أنت مهندس، مهندس مدني أليس كذلك؟”، قال الرائد بصوت خافت.

واجبته بصوت خافت: نعم، مهندس مدني.

واضاف الرائد قائلاً:

إن المعلم ( يقصد قائد اللواء العميد عزت زيدان، لم يذكر لي اسمه وقتها) يقوم ببناء مسكن له على أطراف مدينة صافيتا، وهو بحاجة إلى مهندس يشرف على بنائه.

وأضاف بعد عدة خطوات:

 ما رأيك هل تقبل هذه المهمة؟

وكيف لا أقبل؟ قلت ذلك في نفسي. على الأقل سأضع حد لهذه المخاوف والأفكار اللعينة التي تراودني، عدا عن أني سأقضي وقتي بشيءٍ مفيد.

واجبت الرائد:

مادامت هذه رغبة قائد اللواء، بكل تأكيد أقبل ذلك.

واضاف الرائد منشرح النفس وكأنه كان يستعد لحديث طويل لإقناعي بقبول العرض:

طيب، جهز نفسك وسآتي لأصطحبك إلى قرية دوير رسلان غدا أو بعد غد.

قلت له ودون تفكير:

إذا شئت سأجهز أغراضي حالاً، ومستعد لأن أُغادر معك الآن.

نظر إلي بنوع من الإندهاش المشوب بالإبتسام قائلاً:

إذن إذهب وجهز أغراضك، بينما سأشرب كأس شاي عند الشباب.

وفعلاً جهزت أغراضي بسرعة غير عادية، وأحسست أني أصبحت بوزن الريشة وكأن ثقلاً كبيراً إُزيح عن كاهلي. وغادرنا الموقع في البقاع اللبناني وانطلقت بنا سيارة الجيب بسرعة جنونية وافقت رغبتي المكبوتة في مغادرة هذا المصير من هذا المكان المؤلم والمشؤوم.

قبل أن تغرب الشمس التي كانت على قاب قوسين أو أدنى من الأُفق. والتي كنت أراقب إختفاءها عند كل غروب، أسفل التضاريس الممتدة على طول البقاع اللبناني المتداخل في سهوله المنبسطة الممتدة بهضابه المرتفعة قليلاً.

وفي تلك اللحظة الأخيرة هناك حين كنت أُراقب إختفاء قرص الشمس الناري من خلال المرآة اليمينية لسيارة الجيب السوفياتية الصنع، أختفت معها مخاوفي وتبدد قلقي وذهبت حيرتي وانقلب عذابي الشديد من أن أقتل سدىً كالعبيد من أجل دولة تحكمها عصابة أقلية وحزب قومي شوفيني، دولة سلبتني حريتي وأنكرت على ذاتي، إلى راحة لم أشعر بمثلها في حياتي لامن قبل ولا من بعد. وأنّ أحلامي التي كانت لا تتسع تلك المنطقة الخصبة والمنبسطة من لبنان الجميل والمكنود الحظ مثلي آنذاك عادت إليَّ فأحسست وكأن دماً طازجاً جديداً يسري في عروقي وأن الدم الجاف المنتن الذي كان يُتعبني إختفى من جسدي فجأةً.

في تلك المرحلة، كنت مفعماً بالنشاط والحيوية، وجعلني كرهي وعداوتي للظلم وعشقي للحق والعدالة، أفيض غزارة بالأفكار القومية التحررية كما تفيض ينابيع كردستان بمياهها المتدفقة في بداية الربيع مع ذوبان الثلوج من على جبالها الشامخة، لأساهم في تخليص شعبي الكردي من وجع الظلم ونير العبودية وسياسات الإنكار العنصرية البغيضة. فكيف لي أن أستسلم لمصير بائسٍ أذهب فيه  دونما فائدة كالهباء المنثور في الرياح العاتية في الزمن الخطأ وفي المكان الخطأ؟

من الممكن طبعأ أن أُتهم من قبل بعض الشوفينيين أو التقدميين الباتزميين بالتهرب من خدمة الوطن أو حتى بالخيانة، وهذا لا يفاجئتي طبعاً، لأن العقلية الشوفينية المتعصبة تعتبر كل ما لا يسير على هواها شراً وإثماً مبيناً. وقد سردت هذه اللحظة الأليمة من حياتي عسى أن يعرف البعض مدى معاناتنا نحن الكرد من وطأة القهر والظلم والعنصرية الممارسة ضدنا من قبل هذه الأنظمة الباتزمية.

على فكرة، قبل موعدي المحدد عند السفارة الأمريكية بسبعة أيام حدث تفجير بالقرب من السفارة الأمريكية في بيروت أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص. وفي كل الأحوال كنت قد ألغيت تقريباً فكرة اللجوء بعد أن طلبني العميد للإشراف على بناء فلته.

حق الحرية والإستقلال حق مقدس لكل الشعوب 

ليس لدى أكثرية الشعب الكردي أي مانع أن تكون الدولة الكردية المستقلة المستقبلية كدولة إسرائيل، بل ويشرفني والكثير من الكرد أن تكون لدينا دولة متحضرة وعلمية وديمقراطية تستطيع تطبيق الديمقراطية وتحترم حقوق الإنسان كدولة إسرائيل.

طبعا هؤلاء الباتزميين يعلمون تماما أن الكرد إذا ما أسسوا دولتهم المستقلة، فسوف لن يبقى لهم نفوذ في المنطقة، لأن نفوذهم قائم على وضع اللاإستقرار ولأن تأسيس الوتد الرابع في المنطقة وهو قيام الدولة الكردية المستقلة سيؤسس لتوازن سياسي، أمني، إقتصادي وديموغرافي إفتقدته المنطقة منذ مائة عام. أي منذ إتفاقية سايكس بيكو اللعينة التى قطَّعت أوصال كردستان والشعب الكردي أربعة أجزاء. ويأتي بعد الكرد البلوش والذي قسَّمهم الإستعمار بين أفغانستان وباكستان والتي تشهد بدورها عدم إستقرار.

والمفارقة عند هؤلاء الباتزميين هي أنهم عندما يأتون على ذكر إتفاقية سايكس بيكو المشؤومة، يصفونها بأقبح الأوصاف وبعدم شرعيتها وأنّ المستعمرين قسموا المنطقة بموجبها بما يتوافق ومصالحهم الإستعمارية، ضاربين عرض الحائط بمصالح شعوب المنطقة، وهذا لا خلاف لنا فيه، لكن عندما يأتي ذكر هذه الإتفاقية بخصوص الكرد وبما تسببت به من تقسيم أوطانهم يصمتون صمت القبور.

طبعا، تعامى هؤلاء الپاتيزميون وما زالوا يتعامَوْن في أكثريتهم إلى الآن عن حقيقة أن الكرد من أقدم الشعوب التي أقامت في هذه البلاد، وترتيبهم من الناحية الديموغرافية هو الثاني بعد العرب.

على الباتزميين أن يدركوا أن الشعب الكردي جدير بالحرية والإستقلال مثلهم تماماً، وأنه بدون حصول هذا الشعب على حقه في الإستقلال لا يمكن لهذه المنطقة أن تعرف الإستقرار والهدوء. وأن يعلموا أن هذا الحق ليست مجرد وجهة نظر أو مسأله قابلة للمساومة حتى يتناولها كل من هبّ ودبّ من الباتزميين كما يشاء ويشتهي، بل إنها قضية مصيرية مقدَّسة بالنسبة للشعب الكردي، تمسُّ صميم قلب كلَّ كردي، اللهم إلا من تشوَّه إدراكه لسبب أو لآخر بعض القبض على عبدالله اوج آلان، فما عادت تهمه الدولة الكردية.

وعلى الباتزميين أن ينزعوا من على وجوههم اٌقنعتهم الزائفة ويزيلوا من أدمغتهم أفكارهم السوداء والملفقة تجاه الكرد، وأن لايصبحوا عاراً وتاريخا أسوداً لأجيالهم القادمة، التي لن تغفر لهم عنصريتهم البغيضة تجاه الشعب الكردي الشريك والجار المسالم والمسامح والقوي الذي أنقذ الناس وحرر المنطقة من براثن الإرهاب الصليبي، الذي كان يعتبر أن المسلم الجيد هو المسلم الميت، والذي أحتل المنطقة أكثر من قرنين من الزمن. هل فكَّر هؤلاء السفلة الباتزميين كيف كان سيكون حال المنطقة لو لم يتم تحريرها من الصلبيين؟

 أنه قصر نظر وضيق أفق وجشع وأنانية الذات الغير المهذبة والشره والطامعة إلى إستحواذ ما بأيدي الآخرين، إنها ثقافة الغزو البدوية المستحكمة في عقولهم والمتعطشة دائما إلى التسلط والسطو كشبق الغبراء اليابسة إلى الماء، إنها تعطش الصفوي إلى الدماء، وهمجية التركي المغولي في التعامل مع الأشياء، حيث لافرق عنده بين الإنسان والحيوان. أنه داءٌ مزمنٌ في الدماغ الباتزمي أدى بهم إلى إتخاذ هذه المواقف التي تغلي عدائيةً وبغضاً ومقتاً حيال الكرد.

وما يؤلمني أكثر، هو الموقف المخزي للتيارات اليسارية من قضية الشعب الكردي ،والتي تعتبر نفسها في طليعة مناصري الشعوب المضطهدة ومناهضي العنصرية والإستغلال والعبودية وحقوق المرأة، وماتزال في معظمها تنظر إلى قضية الكرد من منظور قومي شوفيني بحت، وفي أحسن الأحول موقف مشروط عن حق تقرير المصير. وهذا إن دل على شيء فهو يدل على مدى ما تعانيه هذه التيارات من سطوة وأولوية المصلحة القوموية الضيقة الأفق الغير مصرح بها، وأما الأفكار والمبادئ التقدمية التي تدعيها والشعارات الطنانة التي ينادون بها، ما هي إلا غلاف يضمر جواته المضمون الشوفيني الذي يفتك بها من الداخل. وهي في حقيقتها شعارات فارغة لم يكن لها أي أثر خلال عشرات السنين من رفعها والتبختبر بها. وما وقوف اليسار بغالبيته مع الطغاة والمجرمين كصدام وبشار الأسد والقذافي سوى دليل دامغ على تهافتهم وخواء أفكارهم التي لا تساوي ثمن الورق الذي خطت عليه.

 نحن الكرد لسنا ضد الشعب الفلسطيني ولسنا ضد الشعب الإسرائيلي أو غيره. نحن ضد من ينتهك حقوقنا ويسلب أرضنا ويُخضعنا عنوة بالقوة والإكراه إلى سيطرتهم وسطوتهم البغيضة، ونحن مع من يساعدنا في التخلص من الظلم ويحترم إرادتنا الحرة وحقنا في الحرية والإستقلال.

ثمة باتزميون لا يتوقفون عن إختلاق الحجج الواهية الرثّة، والتي لاتنطلي إلا على الناس البسطاء، مثل أن ثمة أقليات كثيرة تعيش مع الكرد، فكيف يمكنهم تأسيس دولة؟ وهذا أمر صحيح إلا إنهم يريدون بالحق باطلاً. لأنهم يتجاهلون في نفس الوقت أنهم هم أنفسهم أقلية في دولهم، فالإيرانيون لا يتعدى نسبتهم 50% من مجموع الشعوب الاخري التي تتحكم بها،رغم من إنضموا إليهم نتيجة عمليات التفريس التي مورست بحق شعوب عديدة، والاتراك نسبتهم الحقيقية لا تتجاوز نسبة الفرس في بلادهم، والوضع في سوريا والعراق لا يختلف كثيراً، بينما لو تم تحرير كردستان بأجزائها الأربعة فسوف يشكل الكرد الأغلبية الساحقة من السكان. ويقول بعضهم لسذاجتهم أن دولة كردستان لم تكن موجودة من قبل.

حتى وإن صح هذا القول، يتجاهل هذا الجاهل أنه لم تكن هناك  في يوم من الأيام 190 دولة مستقلة في العالم. ولم يكن هناك أبدا 20 دولة عربية أو أكثر. هل هذا يعني عدم شرعية هذه الدول ويجب إلغاءها من الخارطة؟ مع أنه كانت هناك دائماً وعلى مر التاريخ إمارات كردية شبه مستقلة، عدا عن الدولة الأيوبية التى كان مؤسسوها وحكامها وقادتها وعصب جيوشها وولاتها كرداً. هذا إذا تناسينا الدولة الميدية الكردية القديمة التي تأسست في القرن السابع قبل الميلاد.

هل أضرَّ الباتزميون بالكرد فقط؟

أم أنهم أضرّوا بشعوبهم أيضاً؟

إن الباتزميين مصابون عادة بشهوة التسلط والتملك، ولا يترددون في إستخدام أي اسلوب في القتل والسطو على غيرهم وسلب ونهب ممتلكاتهم، والشوفيني معروف بإنعدام شروط التفكيرالإنساني الذي يتَّسم بالعقلانية لديه، لأن آليات العمل الذهنية لديه تعتمد على ثقافة الكراهية والحقد ضد الآخر، ولذلك تتصف أفكارهم بإنعدام الموضوعية والإفتقار إلى الآلية الذكية في أداء العملية الفكرية، لأنه يعاني من تسلط الفكر القومي العنصري، وعادة ما يعتبر نفسه أو قومه من أرقى وأفضل الاقوام، وهذا ما يدفعه او يخلق لديه الشهوانية المرضية في حب التسلط والتملك، ويضعف لديه الميول الإنسانية تجاه الشعوب الأخرى، ويسخر كل إمكانياته المادية والروحية لتسيير المكنة الشوفينية التي تقوم بإرضاء النزعة العنصرية عنده. والتي بدورها تؤدي به إلى الإنحراف عن التفكير القويم ولذلك يفتقد الباتزمي عموما آليات التفكير السويّة، ولذلك يسيرون بشعوبهم من مطب إلى آخر ومن كارثة إلى أخرى.

فالباتزميون لم يترددوا لحظة في تأييد السلطات الحاكمة في بلدانهم في الجرائم التي كان يرتكبونها ضد الكرد، أو غير الكرد، بل وكان يدعمون بقوة أي ديكتاتور أو حاكم ظالم في أي إجراء عنصري تجاه الآخر المختلف، أو حتى تجاه شعوبهم، كما أشرت إلى ذلك سابقاً.

وفي خضم التأييد الجامح من قبل الباتزميين للحاكم الجائر الذي يستهوى مشاعرهم الشوفينية العمياء لديهم، وضعوا أنفسهم لخدمة الطاغية أو الطواغيت بكل إمكانياتهم، مما يعدم لديهم أية مساحة إنتقاد أو حتى عتاب للطاغية والذي بدوره يركبه الغرور الطاغي دون أن يشعر بذلك نتيجة لدعم المثقفين والكتاب لسياساته، فيتمادى هو بدوره في سياساته العنصرية المهينة، وساسياته المتهورة، حين يجد دائما من يصور له أعماله وسياساته بأجمل الألوان وأزهاها.

وكنتيجة طبيعية لمثل هذه السياسات العنصرية الجائرة من قبل الديكتاتور والمدعومة بالنخبة الثقافية، تحدث أخطاء جسيمة وجرائم فظيعة. ليس فقط على الأعداء وإنما على شعبه أيضا. فكل من يعارض أو لا يؤيد رايته ولا يعلق صورته على باب متجره أو على جدار مكتبه أو حتى على زجاج سيارته، يعتبر عميل وخائن يجب تصفيته نفسيا، وحتى جسديا إن تطلب الامر ذلك.

تتماهى هنا النخبة إلى أقصى مدى ممكن مع أفعال وأقوال الطاغية، طالما تشعره بنشوة الإنتصار الكاذب، ويدخل هذا النخبوي مرحلة الإستمناء الفكري المتواصل بفعل الإغراءات المادية والمناصب لهذا النخبوي أو ذاك، مما ينعكس ذلك سلبا على شعبه، كونه أصبح جنديا فدائيا وفياً للطاغية، يقوم بتجميل فعل الطاغية آلوياً دون النظر او إعتبار لأية معايير أخلاقية إنسانية أو دينية.

مع أن النخب الباتزمية كانت دائما بارزة في كتاباتها المتدنية واالغبية والمؤيدة للسلطة، والتي عزفت شعوبهم عن قراءتها، إلا أنه مع تغير الحكام والطواغيت إزدادت هذه النخب شراهة لنهم الكراهية والعداء للكرد.

 ففي إيران اتسعت النخبة الباتزمية بعد ثورة الخميني واعتبروا الأكراد الذي يطالبون بحقوقهم ليس فقط أقزام وأغبياء ودونيين وأنما كفار أيضا يجب قتلهم، وفعلا تم ذلك بعد الثورة بقليل وكان من يشرف على عمليات الإعدام والقتل ليس فقط أصحاب العمائم والعباءات كالخلخالي، وإنما أيضا جنبا إلى جنب مع اليسار أصحاب حقوق الشعوب المضطهدة وحقوق المرأة، الذين خلعوا على أجسادهم اللباس الأورربي الحديث بالقميص الضيق، والبنطلون الضيق من فوق والعريض من الأسفل، وبالشعر الطويل الذي كان منتشرا كموضة في السبعينات الى بدايات الثمانينات.

في تركيا لم يكن الوضع أقل وحشية،بل كان الباتزميون الترك يطبقون سياسة أشد عنصرية وشوفينية، إذ فصلوا كردستان تركيا عن أي حداثة وجعلوها جزءا من عالم قديم. وحرموها من اي مشروع اقتصادي تنموي.

أحد اقوى الاسباب لفشل الربيع العربي هو إنغماس النخبة العربية الإنتلجنسيا الباتزمية في النهج الخاطئ والمنهج الشوفيني المنحط الذي لايختلف عن ثمرة الجوز الجوفاء ذات القشرة القاسية.

في الحقيقة فإن ثورات الربيع العربي الفاشلة بإستثناء تونس وللأسف، كشفت وعرّت الباتزميين أمام شعوبهم وشعوب العالم. فالصور التي التقوطوها لشعوبهم ووزعوها في سائر العالم طوال عقود في عهود طواغيتهم، لم تكن سوى صور مزيفة وسطحية وبعيدة عن الواقع، والحداثة التي كانوا يتباهون بها، ظهرت على حقيقتها وأنها لم تكن أكثر من حلق للشارب ولباس البنطلون وتقصيراً لفستان المرأة، وصناعة بعض الأفلام التي ظهرت فيها المرأة بالصورة الأوروبية، وتحولت الحداثة بعد عجزها عن إحداث أي تحول جوهري إلى مجرد شعار رخيص، لنخبة فاسدة وفاقدة القدرة على الفعل التغييري، في مجتمع متعفن تفتك به عُصيات العصبّيات المذهبية والطّائفية والعرقيّة حتى النُّخاع، والتي تستر عليها الطغاة بقوة السلاح، لأنه كان عاجزا عن حلها. بعكس الصورة الزاهية التي كانت تزين تخيلاتهم المريضة المصابة بوهم العظمة الزائف.

من يعتقد بأن ثمة ظلم أسود وآخر أبيض، فضعفه ليس في نظره وإنما في دماغه

المؤسف في الأمر أن هذه الانتلجيسيا العربية الباتزميّة أصرَّت في المضي قدماً خلف الطاغوت وهو يقتل شعبه ويدمر بلده، وتُبين هذه الظاهرة مدى إنسياق هذه النخبة في الفعل التزييفي والتجميلي للحاكم الطاغوتي وتأييده في قتل شعبه بشكل وحشي كما فعل صدام حسين سابقاً وكما يفعل بشار الأسد الآن بشعبه منذ خمس سنوات، والسكوت المطلق عن عمليات التعذيب الفردية والجماعية الفظيعة والمهولة الصادمة التي طالت عشرات الآلاف من العراقيين والسوريين.

هذه الظاهرة الفريدة من نوعها في العالم للنخبة العربية الباتزمية مؤشر خطير على مدى تخلف وعفونة الثقافة التي إستقرت في عقولهم، والتي لا تحوي سوى الحقد والكراهية تجاه الآخر والتسلط عليه ونهبه. إذ من غير المعقول التمتع بفكر إنساني حقيقي وبقيم أخلاقية سامية،  وتأييد ديكتاتور يقتل شعبه بالطائرات وراجمات الصورايخ وببراميل الموت بنفس الوقت، وليس هذا فحسب بل يبرر للطاغية الجلاد أن يستدعي الشيعة من لبنان وإيران والعراق لقتال شعبه، ودعم الطاغية وتأييده بتدخل إيراني وروسي مباشر للمشاركة في قتل الشعب السوري. كل ذلك بحجة أن الطاغية يقاوم الظلم الأسود للجماعات الإسلامية، وتناسوا أو لم يكترثوا أنه ما كان لهذا الظلم الأسود أن يظهر ويقوى لولا الظلم الأبيض الذي تمادى الطاغية في ممارسته منذ أول يوم إستلب فيه الحكم بالسطو المسلح، والظلم لا يولِّد سوى الظلم. وأكبر الخطايا التي وقعوا فيها هؤلاء بأنهم ميَّزوا بين الظلم وزعموا بأن ثمة ظلم أسود وآخر أبيض، ولم يفطنوا إلى أن الضعف في هذا التصنيف ليس في نظرهم وإنما في عقولهم.

عادة كما أعرف بأن النخب هي من تقود شعوبها إلى طريق الخير والتقدم والبناء، لكن هذه النخب العربية الباتزمية دفعت بشعوبها إلى الوقوع في مستنقعات الفساد والإنحطاط القيمي والأخلاقي، والتي شاركت هي بتأسيسها لإرضاء الطاغوت وذواتهم التي تفتك بها داء التعصب القومي والديني والمذهبي والايديولوجي. وبذلك فهي وضعت نفسها مسؤولة عن هذه الأعمال الإجرامية أمام شعوبها، فإن إستفاقت هذه الشعوب يوما وقررت إحياء إرادتها في الحياة الحرة الكريمة، فلا شك بأنها ستسدعي هؤلاء الطفيليين الباتزميين للمثول امام العدالة، إما مادياً أو معنوياً، ومحاسبتهم على إجرامهم الفظيع بحق شعوبهم وتحميلهم مسؤولية المشاركة في صناعة الظلم والقتل.

إلا أن الأهم والأخطر من كل ذلك أنّ الباتزميين عملوا خلال سنين طويلة على النيل من القيم الإجتماعية النبيلة وحقنوها بالفساد واللصوصية والمحسوبية والتمييز الطائفي والحزبي والإثني حتى تم تحويلها إلى قيم منحطة ورزائل، بحيث صار الشخص الفاسد في نظر المجتمع شخصاً نبيلاً وأصبح الشخص النبيل النزيه شخصاً تافها غبياً مهمشاً. وتم كل ذلك باللجوء إلى تزييف الفعل الأخلاقي السائد بحيث ينسجم مع الإنقلاب القيمي المجتمعي الفاسد الذي تهافتوا على خلقه، وجعلوا من الثقافة مفسدة ومن الفساد ثقافة مقابل أن تُضاف أسماؤهم إلى قائمة إتحاد كتاب الديكتاتور وأن يتغذوا على فتاته وأن يقبضوا منه حفنة من الدولارات وسيارة يركبونها.

المقالات المذيلة بأسماء كتابها لا تعبر بالضرورة عن رأي الوكالة

الرابط المختصر:

مقالات متعلقة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

19 + 4 =

Top